طاهر سليمان حموده
18
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
ولقد استطاع التتار قبل وصولهم إلى بغداد أن يقضوا على الدولة الخوارزمية وأن يسيطروا على إيران ، وبذلك جاء دور بغداد . وقد تعرضت بغداد لهجوم التتار في عام 635 ه وبعث الخليفة بجيش مني بالهزيمة وقتل أكثر جنوده وفر الباقون من وجه المهاجمين « 1 » ، ولم يلبث التتر أن عاودوا هجومهم على بغداد في سنة 656 ه بقيادة هولاكو الذي استولى على بغداد وقتل الخليفة المستعصم باللّه آخر الخلفاء العباسيين ببغداد . « 2 » وتفيض المراجع العربية بذكر الفظائع التي ارتكبها المغول بسائر الأقاليم التي تعرضت لغزوهم فقد تعرضت بغداد للتخريب في شتى مرافقها ، وجرت الدماء في الطرقات واستمرت إباحة المدينة للغزاة أربعين يوما حتى أمر هولاكو بعدّ القتلى فبلغت الألفي ألف قتيل « 3 » ( أي مليونين من القتلى ) ، ومهما يكن من أمر هذا العدد ومدى صحته فإنه يعطي صورة لكثرة القتلى وما أقامه المهاجمون من مذابح بشرية . وهكذا سقطت الخلافة العباسية في بغداد ، ولم يكن سقوطها في حقيقة الأمر يعني نهاية حكم العباسيين وحسب بقدر ما كان يعني حدثا خطيرا هز كيان العالم الاسلامي كله ، ذلك أن الخلافة الاسلامية التي آل أمرها إلى المستعصم آخر خلفاء بغداد كانت تمثل رمزا دينيا لوحدة المسلمين ، على الرغم مما كان عليه هؤلاء الخلفاء من ضعف جعل غيرهم ينفرد بالسلطة الفعلية دونهم ، وبالرغم من انقسام الأقاليم الاسلامية إلى دويلات متعددة تخضع لحكام متفرقين متناحرين فيما بينهم على ازدياد النفوذ في كثير من الأحيان . ولقد شعر المسلمون بمدى الخسارة التي لحقتهم بسقوط بغداد على أيدي التتار الذين دمروا كل ما كان الخلفاء العباسيون قد جمعوه خلال خمسة قرون « 4 » ،
--> ( 1 ) المقريزي : السلوك لمعرفة دول الملوك ج 1 القسم الثاني ص 273 . ( 2 ) المقريزي : السلوك ج 1 القسم الثاني ص 409 ، تاريخ الخلفاء ص 313 . ( 3 ) المقريزي : السلوك ج 1 القسم الثاني ص 410 . ( 4 ) أبو الفداء : مختصر تاريخ البشر : حوادث عام 656 ه ، ج 3 ص 202 .